صديق الحسيني القنوجي البخاري

73

فتح البيان في مقاصد القرآن

إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ وذلك أنهم كانوا يتربصون برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الموت ، فأخبر أن الموت يعمهم جميعا ، فلا معنى للتربص ، وشماتة الفاني بالفاني وهذا تمهيد لما يعقبه من الخصام يوم القيامة ، قرأ الجمهور ميت وميتون بالتشديد ، وقرىء مائت ومائتون ، وبها قرأ عبد اللّه بن الزبير ، وقد استحسن هذه القراءة بعض المفسرين لكون موته وموتهم مستقبلا ، ولا وجه للاستحسان فإن قراءة الجمهور تفيد هذا المعنى ، قال الفراء والكسائي : الميت بالتشديد من لم يمت وسيموت ، والميت بالتخفيف من قد مات وفارقته الروح قال الخليل : أنشد أبو عمرو : وتسألني تفسير ميت وميت * فدونك قد فسرت إن كنت تعقل فمن كان ذا روح فذلك ميت * وما الميت إلا من إلى القبر يحمل « 1 » وقال السمين : ولا خلاف بين القراء في تثقيل مثل هذا ؟ قال قتادة : نعيت إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، نفسه ونعيت إليهم أنفسهم ، ووجه هذا الإخبار الإعلام للصحابة بأنه يموت ، فقد كان بعضهم يعتقد أنه لا يموت مع كونه توطئة وتمهيدا لما بعده أخرج النسائي وغيره عن ابن عمر قال : لقد لبثنا برهة من دهرنا ونحن نرى أن هذه الآية نزلت فينا وفي أهل الكتابين من قبلنا ، حتى رأيت بعضنا يضرب وجوه بعض بالسيف ، فعرفت أنها نزلت فينا . [ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 31 إلى 35 ] ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ( 31 ) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ ( 32 ) وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ( 33 ) لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ ( 34 ) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ ( 35 ) ثُمَّ إِنَّكُمْ أيها الناس جميعا مؤمنكم وكافركم يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ فيما بينكم من المظالم ، قيل : يعني المحق والمبطل ، وقيل : تخاصمهم يا محمد وتحتج عليهم بأنك قد بلغتهم وأنذرتهم ، وهم يخاصمونك ، أو يخاصم المؤمن الكافر ، والظالم المظلوم ، عن أبي هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال : « من كان عنده مظلمة لأخيه من عرض أو مال فليتحلله اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم ، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته ، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئآت صاحبه فحملت عليه » « 2 » . رواه البخاري .

--> ( 1 ) البيتان من الطويل ، والبيت الثاني بلا نسبة في تاج العروس ( موت ) . ( 2 ) أخرجه البخاري في المظالم باب 10 ، والهبة باب 21 ، والرقاق باب 48 ، وأحمد في المسند 2 / 506 .